ابن بسام

643

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

روح القدس حياة إلهيّة ، وألبستك الشريعة لباس التّقوى ، وراشتك الطّبيعة بريش النّهى ، حتى تطير مع الروحانيين ، في مجال الصديقين ، إلى منازل المقربين فتذوق برد عيش النّعيم ، وتلذّ بالنّظر إلى وجه القيّوم ، وتشتاق إلى لقاء الرّب الرّحيم . هيهات ! كيف ينعم من لا يعلم أين [ 1 ] النّعيم ، من ملك القديم ؟ ! إنّ للّه يا أخي عبادا أقام أرواحهم بقيّوميّته على صراط مستقيم [ 2 ] ، فمشت بأقدام الصّدق إلى الحق ، فدنت منه ، فنظرت إليه على جلاله ، في اتّساع كماله ، فضعفت لكبر سلطانه ؛ ثم أفاقت بالإسلام ، ونطقت بالإيمان ، وأبصرت بالإحسان ، واتّصلت بالقرآن ، فأمرها فقامت بالخدمة ، وعلّمها ففازت بالحكمة ، فانقطعت إليه بالكليّة ، ودانت له بالحنيفيّة ، فآواها إلى كنفه ، ونعّمها بطرائف تحفه ؛ فملكها أبدا لا يبيد ، وعلمها به يزيد ؛ حتى أطلع لها السّرّ ، وأكمل لها البرّ ، فحييت بقربه ، وشربت بكأس حبّه ، فرفضت الأسباب ، وخرقت الحجاب ، وبيّض وجوهها البرهان ، وأثلجها البيان ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) ( القيامة : 22 ) فرحمانهم علّامهم ، وجبّارهم رزّاقهم ، خلاؤهم ملاء ، وملاؤهم خلاء ، وسماؤهم أرض ، وأرضهم سماء ، روحانيّون جسمانيّون إنسيّون ملكيّون ، أولئك الأصفياء الأتقياء ، الأولياء النّجباء ، أتاهم العون ، فساعدهم الكون . ومن شعره أنشد له الفقيه أبو المطرّف الشّعبي : يا خالقا خلق الزّمان بقدرة * في غير حين من أحايين الزّمان يا محدثا للكلّ كنت ولم تزل * وكذاك ربّي لا يزال بلا مكان أنت الذي جلّت صفات جلاله * وعلت [ 3 ] جلالته عن ادراك العيان وأنشد له : ملك تعالى فوق غايات العلا * يقضي القضاء على نهايات الثّرى من فوق فوق الفوق ينفذ حكمه * في تحت تحت التّحت تحت الانتها قربا وبعدا وهو أبعد من نأى * من كلّ شيء وهو أقرب من دنا

--> [ 1 ] ب م : أنى . [ 2 ] ب م : صراطها المستقيم . [ 3 ] في النسخ : وجلت ( اقرأ : جلّت ) .